الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

123

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قلت : ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غير محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله : ( أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد ) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال : أولئك ما يأخذون إلّا أخذا فظيعا مهلكا فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن ، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [ آل عمران : 103 ] أي على وشك الهلاك والاضمحلال . والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى : فِي بُطُونِهِمْ فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة ، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله : يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ مستعملا في المركب الحقيقي ، وهو لا يصح ، ولولا قوله : فِي بُطُونِهِمْ لأمكن أن يقال : إنّ يَأْكُلُونَ هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك . وجوزوا أن يكون قوله : يَأْكُلُونَ مستقبلا ، أي ما سيأكلون إلّا النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة ، وهو وجيه ، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله : يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فإن المراد بالثمن هنا الرشوة ، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلا . وقوله : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب ، فالمراد نفي كلام التكريم ، فلا ينافي قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 93 ] . وقوله : وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يثني عليهم في ذلك المجمع ، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب ؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذ سكوت . [ 175 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 175 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 ) إن جعلت أُولئِكَ مبتدأ ثانيا لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو اسم إِنَّ في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ [ البقرة : 174 ] فالقول فيه